الجاحظ

28

البخلاء

العذر المبسوط « 1 » عرفتم ، ولا بواجب الحرمة قمتم . ولو كان ذكر العيوب برّا وفضلا ، لرأينا أن في أنفسنا عن ذلك شغلا . وإنّ من أعظم الشّقوة ، وأبعد من السعادة ، ألَّا يزال يتذكر زلل « 2 » المعلمين ، ويتناسى سوء استماع المتعلمين ، ويستعظم غاط العاذلين « 3 » ولا يحفل بعمد « 4 » المعذولين . عبتموني بقولي لخادمي : أجيدي عجنه خميرا كما أجدته فطيرا ، ليكون أطيب لطعمه ؛ وأزيد في ريعه . وقد قال عمر بن الخطَّاب ، رضي اللَّه عنه ورحمه ، لأهله : املكوا العجين ، فإنه أريع الطحينين . وعبتم عليّ قولي : من لم يعرف مواقع السرف « 5 » في الموجود الرخيص ، لم يعرف مواقع الإقتصاد في الممتنع الغالي . فلقد أتيت من ماء الوضوء بكيلة يدلّ حجمها على مبلغ الكفاية وأشفّ من الكفاية ، فلما صرت إلى تفريق أجزائه على الأعضاء ، والى التوفير عليها من وظيفة الماء ، وجدت في الأعضاء فضلا على الماء ، فعلمت أن لو كنت مكَّنت الإقتصاد في أوائله ، ورغبت عن التهاون به في ابتدائه ، لخرج آخره على كفاية أوّله ، ولكان نصيب العضو الأول كنصيب الآخر ؛ فعبتموني بذلك ، وشنّعتموه بجهدكم وقبّحتموه . وقد قال الحسن « 6 » عند ذكر السّرف : إنه ليكون في الماعونين « 7 » : الماء والكلأ ، فلم يرض بذكر الماء ،

--> « 1 » العذر المبسوط : العذر الظاهر . « 2 » زلل : خطأ . « 3 » العاذلين : اللائمين . « 4 » عمد المعذولين : ما ينتج عنهم من أعمال وخطايا مقصودة . « 5 » السرف : التبذير . « 6 » الحسن : أحد الأئمة في صدر الاسلام ، وهو الحسن البصري . « 7 » الماعونين : مفردها ماعون ، وهو القدر أو سواه ، مما يستعمله بعض الناس للانتفاع به .